المخرجة ميسون باجه جي تتحدث عن فيلمها "عدسات مفتوحة ـ العراق":

المقاله تحت باب  منتخبات
في 
21/05/2010 06:00 AM
GMT



في إطار مقارباتها السينمائية في عنوان "وجهاً لوجه ما كان"، استضافت "أمم للتوثيق والأبحاث" الفيلم الوثائقي "عدسات مفتوحة ـ العراق"، والمعرض الذي كان ملهم الفيلم ويحمل العنوان نفسه، بإدارة وتنظيم المصورة الفوتوغرافية الصحافية يوجيني دولبيرغ. وفي حين قُدم الفيلم في عرضه الأول في سينما متروبوليس ـ امبير صوفيل وتعثّر عرضه الثاني في الجامعة الأميركية بسبب مشكلات تقنية، يستمر المعرض في "هنغار" أمم حتى نهاية الشهر الحالي، وتعد مخرجة الفيلم بالعودة الى بيروت لتقديم جولة عروض، كما أكّدت في حوارها مع "المستقبل".
ينتمي شريط "عدسات مفتوحة ـ العراق" الى نوعية خاصة من الأفلام الوثائقية بسبب من ارتباطه بنشاط خارج عنه وتبعيته المفترضة الى مشروع قائم على مبادرة لا تخص مخرجته، ميسون باجه جي. ولكن ميسون، العراقية الجذور المقيمة في المملكة المتحدة منذ سنوات طويلة، استطاعت إحياء كل الصلات التي تربطها بالموضوع، انسانياً وفنياً، وجعله فيلمها الخاص والحميمي والذاتي في أماكن كثيرة. والحال ان هذا العمل برهان على تعاون فني وابداعي نادر بين دولبيرغ وباجه جي، ينطلق من محور واحد ليتفرّع في تعبيرات فنية مختلفة. ولا يغيب عنا المخاطرة التي ينطوي المشروعان عليها، المعرض والفيلم، حيث ان نجاح أحدهما يعتمد بشكل شبه كلي على نجاح الآخر. لا يمنعنا ذلك من التوقف عند فكرة دولبيرغ الطموحة والشجاعة: إقامة ورشة تدريب لاثنتي عشرة إمرأة عراقية من مناطق مختلفة على التصوير الفوتوغرافي بهدف تمرينهن على بث معاناتهن الحياتية من خلال الصور الفوتوغرافية. انقسمت الورشة الى أربع مراحل اساسية وانطلقت في شهر كانون الأول/ديسمبر من العام 2006 الذي شهد إحدى أكثر المحطات عنفاً في تاريخ العراق بعيد دخول الجيش الأميركي وسقوط نظام صدام حسين. في المرحلة الأولى، اجتمعت المشاركات في الورشة في بيت دمشقي قديم حيث تلقين دروساً أولية من دولبيرغ في التصوير على امتداد شهر وقمن بتمارين في التصوير في الأحياء الدمشقية القديمة. المرحلة الثانية استوجبت عودتهن الى العراق للقيام بتصوير الموضوع الذي اخترنه خلال المرحلة الأولى. وفي المرحلة الثالثة، عدن الى دمشق لعرض نتائج العمل وتدبيج حكاياتهن بالصور والنصوص قبل اقامة المعرض كمرحلة أخيرة.
بطلب من دولبيرغ، رافقت كاميرا باجه جي الورشة منذ انطلاقتها وحتى انتهائها، موثقة كافة المراحل. ولكن كما ان المشاركات احتجن الى تمرين في البوح والتعبير عن مشاعرهن قبل العثور على موضوع للتصوير، كذلك احتاجت الورشة والمعرض لاحقاً الى كاميرا باجه جي لترصد الطريق الشائك والوعر والمحفوف بالآلام وبنشوة الانجاز الذي سلكته النساء للوصول الى النتائج النهائية.

[ ما هي الحدود الفاصلة بين تحقيق عمل يوثق لحدث خارج الفيلم وبين شغلك الابداعي كمخرجة؟
- المشروع او ورشة العمل وجدت بصرف النظر عن الفيلم وعني. كانت هنالك خطة محددة لمراحل المشروع وكنت بمثابة "المراقب" الذي يوثق ما يجري. ولكن علاقتي بالمشروع تتخطى ذلك. فأنا كما ذكرت مخرجة أفلام وثائقية، اي ان لي نظرتي ومقاربتي. وأنا عراقية بما يمنحني حساسية خاصة تجاه الموضوع والنساء المشاركات، تمكنني في مواضع كثيرة من استشعار المسكوت عنه. وقد اصبحت عملياً جزءاً من المشروع بحكم إقامتي مع النساء في بيت واحد لمدة شهر كامل. ولكن في المقابل، ثمة قيود يفرضها هذا النوع من الافلام وأولها انني لا أستطيع البناء خلال التصوير، بل علي أن "اتبع" المسار الموضوع اصلاً للورشة.

[ أذكر ان فيلمك "العودة الى بلاد العجائب" في العام 2004 بدا ايضاً رحلة غير محددة الوجهة سلفاً. فهل تقصدين بـ"البناء" إعادة تمثيل الواقع ام ماذا؟
- نهائياً. مسألة إعادة تمثيل الواقع مرفوضة بالنسبة الي تماماً. حتى أنني لا أطلب من شخصيات أفلامي القيام بعمل محدد لا يقومون به في العادة من اجل الفيلم فقط ولا أفرض عليهم خياراتي. وبالمناسبة انا لست من محبذي رسم مسار مسبق للفيلم والعمل على تنفيذه خلال التصوير. أعتقد ان تلك طريقة تنافي العمل على الفيلم الوثائقي. ولذلك ملاحظتك صحيحة في ما يخص "العودة الى بلاد العجائب". صحيح انني أجري بحثاً عميقاً قبل التصوير وأبلور فكرة عامة عن كيفية تطور العمل ولكنني أذهب الى التصوير بذهن مفتوح، اي باحتمال ان يأخذ الفيلم منحىً آخر غير الذي في ذهني. بهذا المعنى، يعتمد شغلي على التفاعل والتواصل. بالعودة الى فكرة "البناء"، قصدت بها انني في مشاريعي الأخرى أملك الحرية في أن اسلك خطوط فرعية واللحاق بشخصية محددة وأخذ الفيلم في اتجاهات مختلفة. ولكن مع "عدسات مفتوحة ـ العراق" كنت ملزمة بتتبع مسار الورشة.
خريطة الأحاسيس
يكتسب الفيلم أهميته في الجزء المتعلق ببوح النساء خصوصاً، بما هي تجربة لا يُتاح الاطلاع عليها وتالياً تقديرها من خلال متابعة المعرض. انها كواليس الورشة بمعنى ما، او ذلك العصف الداخلي الذي يسبق ولادة عمل فني. في البداية، قامت المصورة "يوجيني" بتقديم تجربتها من خلال تقنية "خريطة الحياة" Life Map. وهي تقنية تعتمد على رسم خط بياني لحياتها، يتحرك صعوداً او نزولاً للتعبير عن الأزمات او الحالات الاستثنائية، أسعيدة كانت أم تعيسة. انها في الواقع "خريطة مشاعر" أكثر منها خريطة أحداث، لأنها تتيح للنساء فهم ما هن عليه من خلال ترسبات الماضي بحلوه ومره.

[ كيف جرت هذه التجربة في الواقع؟ في الفيلم تبدو النساء متجاوبات معها سريعاً. ولكن هل ترددن في البداية؟
- لم يحدث اي تردد وذلك برأيي عائد الى جرأة "اوجيني". وسط دهشتي، قررت أن تحكي للمشاركات كل شيء عن حياتها وماضيها المعقد. لا أخفيك انني كنت خائفة من ردة فعل النساء بسبب اختلاف الثقافتين. ولكن "أوجيني" اصرت معتبرة انها اذا كانت تطلب منهن تعرية أنفسهن فيجب ان تكون هي على القدر عينه من الصدقية والحميمية معهن. ولدهشتي، استقبلت النساء حكاية "اوجيني" من دون اية أحكام. هكذا سقطت الحواجز. بعدها طلبت اليهن إغلاق أعينهن واستعادة شريط حياتهن والتعبير عن الاحاسيس بواسطة خط أفقي، يعلو ويهبط بحسب الذكرى وتأثيرها. كان ذلك مؤثراً بالفعل لأن النظر الى تعابير وجوههن كشف انهن يراجعن حيواتهن للمرة الأولى. بعدها، ناقشن التحولات الاساسية فيما بينهن ومن ثم انتقلوا الى مرحلة تجسيدها على ملصقات كبيرة بالصور والوثائق والتعليقات. وبالطبع كانت هنالك مرحلة عرض القصص وهي عملية استغرقت نحو ثلاث ساعات لكل مشاركة، وتلاقت الحكايات فيها حول الفقد والموت والخطف والقصف.

[ ماذا عنك وعن "إرادة" المنسّقة العراقية للورشة؟ لماذا لم تشاركا بخريطة حياتكما الخاصة؟
- الواقع ان "إرادة" أنجزت خريطة التحولات الخاصة بها ولكنني لم أضعها في الفيلم نظراً الى ضيق الوقت. أما أنا فحضرت خريطتي، وكذلك "نوارة" المترجمة والمتطوعة الأميركية، ولكن لم يكن من وقت كافٍ خلال الورشة لعرضها.

[ الملاحظ في حكايات النساء اختلاف درجات البوح بينهن. فمنهن من تحدّثن عن أمور تخصهن مباشرة ومنهن من اقتصرت حكايتها على مآسي المحيطين بها. هل كان بعضهن أقل جهوزية لتعرية الذات؟
- أعتقد ان هذا متصل بالسن والتجربة. بعض الشابات أقل معاناة من غيرهن. وبعض الشخصيات اقمن حواجز أكثر من أخريات.

[ اللافت في الفيلم ابتعاده، او ابتعاد النساء، من الحديث المكثّف عن الأميركيين. فهل كان مقصوداً أن تذهب التجربة أبعد من الحديث المتداول والمتوقع عن "الاحتلال" "والاميركان"؟
- لم يكن مقصوداً ولكن هذا ما حدث. بمعنى آخر، لو ان النساء تحدثن عن ذلك لظهر في الفيلم لأنه جزء من توثيق التجربة. في أحد العروض، سألني أحدهم: "اين هو الغضب من الاحتلال الاميركي؟" وبرأيي ان الغضب، مهما كان شعوراً انسانياً وتلقائياً، الا انه مسطح. المسألة أكثر تعقيداً من الإحتلال. ربما في الفلوجة، معظم العنف سببه الجيش الأميركي. ولكن في بغداد والبصرة والموصل العنف مصدره الميليشيات والمتطرفون. وأعتقد ان هذه النظرة المستغربة الى خلو احاديث النساء من الغضب على الأميركيين نموذجي بالنسبة الى المقيمين في الخارج. أنا عشت في فلسطين فترات طويلة والناس هناك لا يتحدّثون عن الاحتلال طوال 24 ساعة. ثمة حياة يومية للعراقيين وللفلسطينيين ومعاناة تفصيلية لا يختزلها الاحتلال كما نتوقع وان كنا في معظم الأحيان مسببها. الاحتلال حاضر دائماً ولكن ليس على شكل خطابات.

[ ومع ذلك هناك مشهد في الفيلم حيث يبكي بعض النساء يوم إعدام صدام حسين.
- ما من أحد بين النساء مساندة لصدام. كلهن عانين من نظامه ولكن الإعدام كان شيئاً مخيفاً بالنسبة إليهن لأنهن كان يخشين رد الفعل. فقد حدث يوم العيد بما ينم عن سلوك استفزازي. كما انه تعبير عن الخوف من الآتي المجهول والاسوأ بالنسبة اليهن. صدام مجرم بامتياز ولا نقاش في ذلك. ولكن محاكمته كانت مهزلة. الشعب العراقي يحتاج الى العدالة ولكن ما حصل كان انتقاماً، يزكي دائرة العنف. هذا هو برأيي سر خوف العراقيين. انه إحساسهم بأن قيم الديمقراطية والعدالة التي يرغبون بها انما هي مجرد استعراض خارجي فيما الأفعال على الارض موغلة في العنف.
بين صورتين
خلال جلسات التدريب الأولى، عرضت يوجيني دولبيرغ صوراً فوتوغرافية اما المشاركات لتحريك النقاش حول خصائص الصورة وطرق تأويلها. من أبرز تلك مناقشتها للضوء والعتمة وموقع المصور. على صعيد آخر، تفتح تلك العناوين للمشاهد منافذ أخرى لرؤية الفيلم من موقعه كصورة متحركة محورها الصورة الفوتوغرافية، والعلاقة الجدلية بينهما.

[ هل كان الهاجس الفني الذي ناقشته "يوجيني" مع المشاركات في ما يخص الصورة الفوتوغرافية جزءاً من هاجسك في صناعة صورة هذا الفيلم؟
- هذا هاجس لم يفارقني أبداً. فحين كانت يوجيني تتحدث عن الضوء والظلام، كنت أفكر في الفرق بين الصورة المتحركة والأخرى الفوتوغرافية وهو بالطبع عامل الزمن. ولكن علي الاعتراف بأنني لست مصورة محترفة لهذا هنالك شعور بأن صورة الفيلم خام وخشنة. وبينما كانت النساء يقمن بـ"تركيب" صورهن الفوتوغرافية، كنت أنا اصور فقط واشتغل على فكرة الزمن. في مواضع محددة، اشتغلت على التركيب في مشاهد متسلسلة. وهنا، يشعر المشاهد بخصوصية كل صورة بعيداً من الوصف التقني. ولكن يكفي الشعور بأن ثمة إحساساً عصياً على الصورة الفوتوغرافية وفي متناول الصورة المتحركة والعكس ليصل المعنى.

[ ألهذا الاختلاف بين الصورتين وقرب الصورة المتحركة من المتلقي دور في فهم استحواذ الفيلم على الاهتمام اكثر من المعرض؟ هذا على الأقل ما لمسته خلال عملية البحث بواسطة الإنترنت.
- لا شك في ان قنوات عرض الفيلم اي كان وتواصله مع جمهور ما أسهل من معرض. ولكن في هذه الحالة بالذات، ثمة اسباب خارجية ليس أقلها التمويل. فإقامة معرض تحتاج الى تمويل وكذلك الكتاب الذي كان من المقرر ان يصدر في توقيت متزامن مع المعرض ولكنه لم يحدث ايضاً بسبب التمويل.
المونتاج
في نهاية المرحلة الأولى من التدريب، اختارت كل مشاركة الموضوع الذي ستعمل عليه في العراق. والموضوع هو اختيار هاجس او مشكلة من وحي حياتهن والتعبير عنه بالصور الفوتوغرافية والكتابة الحرة المرافقة للصور. الى العراق عدن بما يشبه مهمة عمل، عدن بعدها الى سوريا لعرضها على يوجيني.

[ ألم تكن فكرة مرافقة النساء الى العراق واردة عندك؟
- هذا ما اقترحته علي يوجيني التي لم تتدخل ابداً في صنع الفيلم. لم أقتنع في البداية لأنني عرفت ان ذلك سيسبب مشكلة لجهة طول الفيلم. ولكنني قررت القيام بخطة بديلة وهي إعطاء "إرادة" كاميرا صغيرة وتدريبها عليها تدريب أولي. كانت مهمة "إرادة" متابعة المشاركات في العراق والتنقل بينهن. عادت "إرادة" بنحو عشر ساعات من التصوير، تابعت خلالها المشاركات وأهاليهن. في النسخة الأولية للفيلم التي بلغت ثلاث ساعات، وضعت هذا الجزء. ولكنني في قرارة نفسي شعرت انها قصة "إرادة" وليست قصتي. فهي بشكل ما تقوم على إعادة اكتشاف "إرادة" لبلادها من خلال عدسة الكاميرا التي تحملها للمرة الأولى. هكذا قررت حذف هذا الجزء ولكنني أدرجته ضمن الـ"دي.في.دي" الخاص بالفيلم كعمل مستقل في عنوان "رحلة إرادة".
الجزء الثاني من الورشة كان مختلفاً. معظم الأشياء قيلت في الجزء الأول ولم يبقَ سوى متابعة التفاصيل العملية في الجزء الثاني. سؤالي يتعلق بالمونتاج الذي منح الفيلم برأيي الايقاع والسلاسة والتركيب التي لا نقع عليها في أفلام "الجمعيات الأهلية" اذا جاز التعبير والتي خرج فيلمك بشكل او بآخر من عباءتها. كيف وضعت خطة المونتاج؟ ولكن قبلها كم ساعة تصوير تجمّعت لديك؟
خرج الفيلم من 130 ساعة تصوير. الخط الأساسي والواضح في المونتاج هو التسلسل الزمني للورشة اي المرحلة الأولى بما فيها من تدريب وخارطة الحياة وتمارين وسواها ومن ثم المرحلة الثانية. في الخط الثاني، اشتغلت على فكرة تبدل الفصول وهي فكرة خطرت لي لاحقاً عندما اكتشفت صلتها بالتحول الذي رافق النساء. فالمرحلة الأولى كانت في الشتاء وكنا نشعر بالبرد دوماً. والورشة تطلّبت في هذه المرحلة رجوع النساء الى دواخلهن كما لو كنا يلتففن حول أنفسهن، والخضوع لنوع من الرحلة العلاجية مع تمكنهن من تجسيد معاناتهن في قوالب فنية ابداعية. عندما عدن الى سوريا، كان الفصل ربيعاً وتقاطع ذلك مع تفتّح تجاربهن وتجدد حيواتهن.
على الصعيد الدرامي، الجزء الثاني أهدأ لأن الأصعب كان قد مر. الهدوء والمساحة منحاني فرصة التقرب من الطفلة "ديمة" ابنة "إرادة". فهي طفلة استثنائية بالفعل بطرافتها وحدة ذكائها. فوجدت فيها النموذج العكسي للنساء. "اضحك بدل أن أبكي" قالت لي في ما تحول "الدرس". ليس المطلوب ان ننسى، ولكن ثمة امكانية للحياة على الرغم من كل شيء. هذا ما تختزنه "ديمة". في النهاية، كان التحدي الاساسي في صنع هذا الفيلم وتوليفه الحفاظ على القصص الفردية في التجربة الجماعية. كل شخصية بمثابة خيط بلون خاص، قمت بحياكتها في نسيج. التجربة الانسانية ليست فردية بل تتقاطع مع تجارب أخرى وتروي تاريخاً. هكذا هي الحياة بالنسبة الي، لوحة تجمع الفردي والجماعي والتاريخ.

أرض الخراب وأرض السينما
غير بعيد من تجربة يوجيني دولبيرغ، اقامت ميسون باجه جي ورشة عمل في العراق مع زميلها ومواطنها المخرج قاسم عبد. افتتح الاثنان في العام 2004 مدرسة للتدريب السينمائي في بغداد، استقبلت الشباب مجاناً للتدرب على التصوير وصنع أفلامهم الخاصة. شارك بعض هذه الأفلام في مهرجانات عدة ومنها ما نال جوائز. وبعد مرحلة من الإقفال لاسباب أمنية، أعادت المدرسة فتح أبوابها مطلع العام 2009 وتحضر باجه جي لمهرجان متنقل داخل العراق لأفلام طلابها. العام 2004، سجل قبلها عودتها الى العراق للمرة الأولى بعد 35 عاماً من الخروج. حينها، رافقت والدها الدبلوماسي والسياسي عدنان باجه جي الذي عين رئيساً لمجلس الحكم العراقي في العام 2003. في زيارتها الأولى تلك بعد غياب طويل، أنجزت "العودة الى بلاد العجائب"، متسللة الى أماكن الطفولة ومستنطقة الناس العاديين حول آمالهم وآلامهم وتوقعاتهم. كان ذلك فيلمها الرابع بعد "نساء عراقيات: أصوات من المنفى" و"العيش مع الماضي" و"رحلة ايرانية".

[ أنشأت مدرسة التدريب مع زميلك المخرج قاسم عبد بهدف يشبه أهداف ورشة التدريب الفوتوغرافي: الإرتقاء بالألم الى مرتبة التعبير الإبداعي. هل أفلامك هي كذلك بالنسبة اليك؟
- أعتقد انها كذلك. الشلل النفسي والعجز كانا بشكل او بآخر منطلق تجربتي الأولى. قبلها كنت أعمل في مجال المونتاج وغيره ولكنني أخرجت فيلمي الاول بعد حرب الخليج 1991 وخرج في العام 1994. كنت اشاهد التلفاز ليل نهار. وهالني ان ارى ان ساعات البث الطويلة خالية من البشر. كانت صدمة حقيقية، خرج منها "نساء عراقيات: اصوات من المنفى" الذي على بساطته أعطاني صوتاً. السينما بهذا المعنى مهمة جداً. لا تحل المشكلات ولا تزيل الألم ولكنها تخترق الاحساس بالعجز وحالة الموت إزاء الدمار الخارجي والنفسي.

[ ومتى بدأ هاجس الفن والسينما بعيداً من القضية والتعبير عن الألم؟
- أعتقد انه كان موجوداً دائماً بدليل ان افلامي ليست كلها عن العراق ولا كلها عن "المنفى" الذي يشكل موضوع معظم المخرجين العراقيين من جيلي المقيمين في الخارج. ثم ان العمل الوثائقي بالنسبة الي يكتنز هذا الجانب لأنه صعب وايجابي ومتناقض وغامض في آنٍ معاً. مهما فعلت او حرصت على ألا أكون "استغلالية" الا أن عملي في النهاية هو "خطف" حياة الآخرين من أجل الرواية. وهذا صعب لأنه ايضاً غير متوقع. ويقيني انه على عكس ما يقال دائماً، المخرج لا يملك السيطرة الكاملة. العمل الوثائقي أشبه بالسباحة في النهر ومحاولات التطويع القسرية تنتهي الى فراغ. الوثائقي اكتشاف في كل مرة ولا مجال فيه للوصول الى نتيجة او خلاصة. حتى وجهة نظري قد تكون متناقضة ومتبدلة. هذا في رأيي جزء من العمل يجب اظهاره بدلاً من تغطيته بهدف الخروج بصورة لمّاعة. أريد المشاهد ان يخوض الرحلة معي، ان يجلب اليها تجربته ورؤيته. هذا ما يجعل الفيلم الوثائقي حياً.

[ هل تزعجك الأفلام الأجنبية المنجزة في العراق أو عنه؟
- كلا لا تزعجني الأفلام الأميركية مثلاً لأنها تتحدث عن الاميركيين وعن الجنود. العراق مجرد خلفية ويمكن ان يكون كوسوفو او اي مكان آخر مزقته الحرب. ولكن ما يزعجني هي الأفلام او التقارير التي تدعي انها تقدم وجهة نظر داخلية كما تفعل "بي.بي.سي" عندما تعطي كاميرا صغيرة لمواطن عراقي ليصور ومن ثم تعرض ما صوره. اي هي وجهة النظر في هذا؟ ومن تخص فعلاً؟